حسن بن عبد الله السيرافي

248

شرح كتاب سيبويه

النصب ، كالتأويل الذي يتأوّل فيما يخالف آخره أوّله ؛ وذلك أنك إذا قالت : " ما تجلس عندنا فنحدّثك " فتأول : ما يكون منك جلوس فحديث منا ، غير أن المصدر قد يجوز أن يقع موقعه " أن " الخفيفة وفعل ذلك المصدر ، ألا ترى أنك تقول : " يعجبني قيامك " ، و " يعجبني أن تقوم " في معناه . وإذ قد وضح هذا فأنت إذا قلت : " ما تجلس عندنا فنحدّثّك " إنما تنفى جلوسه ، ولست بناف للحديث على كل حال ، كما نفيت الجلوس ، وإنما نقدر في ذلك أحد تقديرين ، إما أن يكون على معنى قولك : " ما تجلس عندنا فكيف نحدّثك " فتكون نافيا للجلوس ومخبرا أن الحديث يتعذر وقوعه مع عدم الجلوس ، أو يكون على تقدير : ما تجلس عندنا محدثين لك ، وقد تجلس عندنا على غير حديث بيننا فتكون نافيا للجلوس الذي يقرن به الحديث ، ولم تعمد لنفي الحديث ، فلمّا خالف الأول الثاني هذه المخالفة ، كرهوا أن يعطفوا الثاني على الأول في لفظه ، فيكون داخلا في معناه ؛ لأنك إذا قلت : " ما تجلس عندنا فتحدّثنا " فأنت ناف لكل واحد من الجلوس والحديث من غير تعلق أحدهما بالآخر ، كما أنك إذا قلت : " ضربت زيدا وعمرا " كنت ضاربا لكل واحد منهما ، من غير تعلق أحدهما بالآخر ، فلما كان الفعل الثاني في " ما " جوابا تضمن معنى يخالف الأول ، وإن كان معطوفا عليه في المعنى ، فقدّر الأول تقدير المصدر ، كأنه قال : ما يكون منك جلوس ، وقدر في الثاني " أن " فنصب بها الفعل ، ثم كره أن يكون الأول في لفظ الفعل ، والثاني يقترن به ما يصيره اسما وهو " أن " ، فحذفت " أن " ليشاكل الأول الثاني في الفعلية ، ولم يبطل النصب الذي أثّرته " أن " ؛ لئلا يدخل الثاني فيما دخل فيه الأوّل ، فإذا اضطر الشاعر في المتّفقين ، ردّه إلى التقدير الذي يوجب النصب هنا . ومثل هذا قول طرفة : لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها * ويأوي إليها المستجير فيعصما " 1 " والوجه فيعصم . وقال الآخر : هنالك لا تجزونني عند ذاكم * ولكن سيجزيني الإله فيعقبا " 2 "

--> ( 1 ) البيت في ديوانه 159 ، وسيبويه 1 / 423 ، واللسان ( دلك ) . ( 2 ) البيت للأعشى في ديوانه ص 9 ، وسيبويه 1 / 423 .